الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

كائن غريب يحوم حولنا


يوميات طبيب مصرى جدا ( أكثر من خمسة عشر عاما بين المرضى.. حكايات منها القديم والجديد.. ذكريات بين آلام وأحلام أراها واقعا بينهم.. فلتسمحوا لى أن تعيشوا يوما معنا )
كائن غريب يحوم حولنا
-1-
بالطو أبيض جديد ناصع البياض ، سماعة ليتمان أصلى على كتفى لزوم التباهى ، ملابسى أنيقة ومهندمة كلها ماركات عالمية، ورائحة برفان رجالى غالى السعر تفوح منى .. كان هذا أول يوم لى كطبيب تحت التدريب . أقف فى مكان تجمع الأطباء حديثى التخرج لنشرب مشروبات مع وجبة فطار خفيفة قبل معاد بدء العمل .. نقف جميعا نتذكر أيام الدراسة وقفشات الطلبة مع الأساتذة والمعاناة مع الإمتحانات وتخلصنا منها فى هذه المرحلة ، لننتقل لدور الطبيب المعالج الذى يصول ويجول فى حجرات العمليات وبين الرعايات ويكتب روشتات الأدوية ويتكلم فينصت الجميع من مرضى وتمريض ، يسعون للتقرب منه فى كل لحظة حتى ينعم عليهم بنظرة رضا أو كلمة تدليل .. بينما نحن كذلك ، تدخل عربة إسعاف بسرينتها المعهودة إلى فناء المستشفى إيذانا بدخول مريض فى حالة صعبة يحتاج مساعدة وللمفاجأة تلتها عربة ثانية ، وعربة أخرى حتى صاروا ثلاث عربات إسعاف.. المسعفون ينزلون المرضى كلهم فى حالة سيئة ، هرولت إليهم أنا وأصدقائى كلنا شوق للعمل والمساعدة نسأل عن هؤلاء المرضى؟ ومن أين أتوا؟
إنه حادث على الطريق بين أتوبيس مسرع لسائق أرعن لايعى مسئولية حياة الركاب وسيارة أخرى فقد سائقها السيطرة عليها للسرعة الشديدة التى كان يسير بها فى الصباح الباكر.. إختلط جرحى الأتوبيس بالسيارة الأخرى فلا فرق بين هذا وذاك فى إصابته ومصيبته.. أخذنا ننقل المرضى مع المسعفين إلى حجرات الاستقبال بالمستشفى متابعين وظائفهم الحيوية ومؤشرات الخطر على الحياة كل على حدى.. هذا ننقله إلى العمليات لما يعانى من نزيف وجرح عميق فى رأسه، وذاك نكتفى بخياطة جرحه بعد تطهيره لاستقرار حالته ، وآخر ننقله لعمل أشعة على ساقه لتقييم مايحتاجه.
ساعدت مع الأطباء الأكبر فى خياطة الجروح للمرضى وإسعافهم وتركيب المحاليل لمن يحتاج منهم ، ولكنى فجأة لاحظت كمية دم على ملابسى وحذائى الجديد، لايهم مايوجد على الملابس فسوف تنظف على كل حال ، ولكن ماذا أفعل فيما حدث لحذائى ، واليوم هو أول يوم أرتديه بعد أكثر من ثلاثة أيام بين المحلات لأشتريه وسعره يتعدى المائتى جنيه أخذتهم من والدى لمعرفتى أنى لن أستطيع شراءه بعد بداية عملى.. فمرتبى فى الشهر لن يتعدى المائة جنيه من الآن ، وسأحرج لأخذ سعره لأشتريه بعد ذلك .. حذاء لونه نبيتى داكن به سواد غير ملحوظ، لمعانه وإستدارة مقدمته الحادة يميزانه ويعطيانه قيمة غالية.. حزنى على ماحدث للحذاء دفعنى لمحاولة تنظيفه سريعا بأى شئ حتى أنى تعجلت بمحاولة إزالة الدماء بكحول كما نصحتنى إحدى الممرضات، ولكن بدلا من إزالة الدماء ، ضاع لونه تماما مع الكحول اللعين فكدت أبكى حالى وحذائى.
بينما أنا أفكر وأتامل حذائى المفقودة ألوانه ، صرخت إحدى الممرضات لأن المريض الذى تلاحظه إزرق لونه فجأة وبدء يعانى من صعوبة شديدة فى التنفس وحشرجة مكتومة مع عدم قدرة على الكلام ، جرينا عليه جميعا وأنا معهم لنضعه على الأكسجين ونتابع حالته واكتشاف سبب مافيه، حتى رآه معنا طبيب أكبر وأمر بنقله فورا للرعاية.. صممت على متابعته بالرغم من تأخرى فى عملى الذى كان سيبدأ فى قسم القلب فى هذا اليوم ، ونقلته معهم إلى الرعاية المركزة حيث الأجهزة المعقدة ونظام العمل الصارم هناك.. أصرت الممرضة على إرتدائى غطاء على رأسى وأرتدى غطاء فوق الحذاء وهذا ماأسعدنى وقتها لأحميه من أى جديد ، مع ارتداء ماسك وجوانتى أيضا رغم علمها أنى لن أشارك فى عمل بالداخل وأن دخولى للشغف ولأرى ماسيحدث لهذا المريض الذى شدتنى حالته فصرت متلهف لمعرفة مصيره.
كانت لحظات تجرى بسرعة يحاولون ملاحقتها بهمة وحماس، ترى أمامك شخص يموت ببطئ، كل من حوله يسرع فى كل إتجاه لإدراكه قبل أن يذهب بعيدا عنا وكأنهم يحاربون القدر لعلهم ينقذوا هذا المسكين.. مجرد لحظة مع طبيب ماهر حتى أخبرهم أن المريض يعانى من تجمع دموى حول الرئة يعوقه عن التنفس ويكتم أنفاسه ويخنقه لحظة بعد أخرى.. لحظات حتى وصل صديقى الطبيب الذى أعرفه من قبل ، فهو يعمل فى قسم رعاية قلب وصدر وكان حلمه وقد صار أن يكون جراح قلب شهير، أخبرهم أنه مضطر لعمل فتح وشق فى صدره الأن لإنقاذه وليحضروا مايريده حالا لعمل هذا الشق.. كنت أنظر فى تأمل ولهفة لأرى ماذا سيحدث وأى قدر نحن نخطه بأيدينا رضينا أم لم نرضى مرغمين ، ولكنه جهد وعمل نفعله وللنتظر كلمة الله فيما نفعل ونجتهد بعد ذلك.. ممرضة تنظف وتطهر مكان الجلد بعناية ، حتى إذا ماانتهت ، بدأ الجراح فى وضع بنج موضعى ثم قام بعمل شق وفتحة فى صدر المريض لإدخال الأنبوبة وإخراج الدماء المتراكمة حول الرئة .. ولكنه مع وضع المشرط إنتفض المريض متألما وصرخت معه.. لاأعرف لماذا حدث لى ماحدث ؟ فكأنه قد شق صدرى فى نفس المكان، ألم شديد بل شق سكين فى صدرى أنا أيضا تألمت له وصرخت معه بشدة ، حتى أن الأطباء والتمريض تركوا مابأيديهم وألتفتوا إلي منقذين لما أعانيه بلا جدوى ، وبينما أنا اصرخ متألما لما أعانى ، رأيت هذا الكائن الخرافى فوقنا ينظر إلينا جميعا بعين ساخرة متحفزة ، حتى أن صرختى لخوفى من نظرته فاقت صرخة الألم فى صدرى.. فتوقعت كينونته ولكنى خفت أن أبوح بها، متمنيا أن يذهب دون قبض أحد منا ولو إلى حين، وإن كان فلينتظر علي وليأخذ شخص أخر.. كم أدركت ضعفى وجبنى فى هذه اللحظة التى لن أنساها أبدا.. فتحت عينى بعد تلك اللحظات المرعبة لأجد هذا الكائن قد إختفى مع ظهور دم بغزارة تخرج من أنبوبة صدر مريضنا المسكين لتعود له الحياة من جديد هو الأخر.. ضحكات أصدقائى الأطباء على ماحدث لى وصراخى متألما وقتها ظلت عالقة بأذنى لأضحك عليها كلما مرت بخاطرى حتى الآن .
-2-
عم حسين .. هذا هو الأسم الذى يلقبه به كل من يراه ، حتى من يكبره فى السن يدعوه بعم حسين.. ربما لمظهره المسن أو لتعوده النصيحة لكل إنسان يلمحه او يتعامل معه.. هو حسين عبد المتعال ذلك الرجل فوق الستين، يخرج من منزله فى باب الشعرية كل صباح متجها لعمله فى متجر كبير بحى سيدنا الحسين.. يتسلق فى الزحام أتوبيس هيئة النقل العام محشورا بين ركابه.. حظه العثر أنه إستيقظ مبكرا هذا اليوم وأراد أن يذهب ليفطر ويشرب الشاى على قهوته قبل العمل، واليوم يوم السبت حيث الشوارع خالية نوعا ما ، فكانت سرعة الأتوبيس النادرة الحدوث سببا فى الحادث مع تلك السيارة الملاكى التى تعبر تقاطعا وراء الآخر بلا حذر أو خوف من مجهول. تلك هى الكلمات التى وصفته بها الجارة التى كانت تزوره مع إبنته فى المساء حين رأيته مرة أخرى وأردت أن أطمئن عليه بعد معاناته طوال اليوم.
رجل مسن حقا .. ينام على سريره فى عنبر ممتلئ بالمرضى ، وتتدلى من صدره أنبوبة تنتهى فى زجاجة أسفل السرير.. ابتسامة ممزوجة بالألم إرتسمت على شفتيه حين رآنى وحاورته مداعبا بألفة وعطف .. شعرت للحظات فى الصباح أن قدرا جمع بيننا، وشعور مشترك استشعرناه سويا ولكن ماذا يخبئ القدر لكل منا وهل يجمعنا إحساس وقدر واحد فيما بعد؟ فلطالما أشعر بهذا مع إناس كثيرة ولاأراهم مرة أخرى فى حياتى !!
عرفت أن له ولد وبنت: بنته تلك التى تعيش معه وتعمل فى مكتبة فى نفس الحى ، تعدى عمرها الثلاثين دون زواج ومازال يحمل همها فى المستقبل ، ماذا تفعل بدونه فى هذه الدنيا؟ أما ابنه فهو مدرس يعمل فى السعودية ، لم يره منذ عامين وتمنى رؤيته ولو مرة قبل موته.. قالت الابنة أنها سوف تخبره بما حدث لوالده حتى يأتى ولو زيارة قصيرة ليسعدا برؤيته ولو قليل، فوحشة الدنيا وقسوتها أبعدته عنهما من أجل العمل والمال فى غربة الحاجة.
حوار طريف بيننا وحكايات يحكيها عن حياته وسيرته فى عمله بين الأقمشة والزبائن .. كل يوم بحكاية له مع هذا أو ذاك ، نوادر مر بها ومرارة عاشها طوال حياته .. كيف تعرض للموت أكثر من مرة وأخرها فى خناقة وعراك فى مكان عمله حين تعرض لسلاح لص متخفى فى شكل متسول هجم عليهم من أجل المال ولكن شجاعته وقبلها عناية الله أنقذته ، بل استطاع الإمساك به وتسليمه للقسم مع عمال المحلات المجاورة.
بينما أستعد لتركه وتوديعه ، فوجئت بتعبه من جديد: أنفاس قصيرة تخرج بصعوبة ، رعشة بيده ووجهه امتدت فى لحظات لانقباض شديد فى عضلات جسمه كلها، زرقة ظهرت بين شفتيه وغروب لبصره تنذر بشئ مخيف.
صراخ وعويل من ابنته وجارتهم ، بينما أن أستمع لقلبه بسماعتى طالبا استدعاء الأطباء فى هذا القسم ليروا معى ماذا حدث له من جديد!!
نظرت بعينى لوهلة وأنا أحاول إنقاذه للمحلول المعلق له.. صدمة أفقدتنى التفكير للحظة !! فهاذا المحلول هو بيكربونات الصوديوم !! كمية صغيرة من هذا المحلول تساعد فى العلاج ولكن الكمية الكبيرة تؤدى لزيادة القلوية بالجسم وتضعف عمل مراكز التنفس بالمخ وقد تصل به للوفاة فى لحظات.. من وضع هذا المحلول للعلاج ؟ وكيف أخذ كل هذه الكمية من الدواء الخاطئ ؟ صراخى فيمن حولى وأنا أوقف المحاليل وأنزعها بعنف أفزعهم أكثر وأكثر .. أين الممرضة المهملة هنا؟ أين الأطباء؟ أين أى إنسان يساعدنى وننقله سريعا للرعاية مرة أخرى؟.. هذا الكائن المخيف أستشعر وجوده الأن ولكنى لم أره هذه اللحظة.
أوقات حرجة وأنا أنظر إليه وهو بين أيدى أطباء الرعاية وهم يحاولون إنقاذه من جديد .. بداية من كيس حول رأسه يتنفس بداخله ، حتى وصل الأمر لوضعه على جهاز تنفس صناعى لمدة عدة ساعات .. ظللت كل هذه الفترة وأنا أراقبه بقلق وحيرة ، أطلب من كل شخص أعرفه الدعاء له.. علمت فى هذه الأثناء أن ابنته وهى تساعده فى ارتداء ملابسه استبدلت علاجه بتلك المحاليل، فكلاهما كان معلق على طرفى حامل مخصص لأدويته.. طالبت ومعى طبيبه المعالج بالتحقيق فى هذه الواقعه ومحاسبة المسئول عن هذه المصيبة ، كيف لممرضته تترك الأدوية والمحاليل معلقة دون اكتراث؟ وكيف لابنته بتركيب علاجه مرة أخرى دون طلب مساعدة وبجرأة وجهل لا مثيل لهما؟!!
صباح يوم جديد بأمل جديد مع تحسن حالته تدريجيا، حتى تم فصله عن ذلك الجهاز العقيم الكئيب.. خرج من الرعاية لغرفته بصوت أجش ووعى متثاقل من كثرة الأدوية والتعب.. تنفست الصعداء مع رؤيته بعد كل تلك الأوقات الصعبة واللحظات المريرة وهو يبتسم من جديد متحديا قدره وذلك الكائن الذى كان رفيقا لنا كل تلك الفترة.
تركته لعملى فى صباح يوم آخر دون نوم أو راحة من يوم قبله.. أكملت يومى على مافيه، ومررت قبل رحيلى لأراه ، كانت حالته تتحسن مع متابعة لصيقة من الأطباء والتمريض نتيجة لما حدث لهم وله فى الليلة الماضية ..تحديه للموت فى جلده ومقاومته وقوته أراه فى نظرة عينيه، روح الدعابة فى حديثه وحكاياته الطريفة لاتنتهى ، وانتظاره لرؤية ابنه يملئ قلبه.. تركته وأنا مطمئن وهادئ البال إلى حد ما.
طوال يومى بين نوم ويقظة أرى عم حسين بين أحلامى وأفعالى .. أحكى حكايته لأسرتى وما عاناه وقدره الذى يقاومه مع الموت بأشكال مختلفة.. ترى أمى أن الموت ينتظره حتى يسعد بابنته وبرجوع ابنه الغائب .. أقدار نحاول بعقولنا تفسيرها ومصائر نتفلسف بها ومعها دائما.
أيام حتى تحسن وأوشك على الخروج من المستشفى لحياته وعمله ولكن .. صباح يوم جديد أمر عليه فى عنبره بالمستشفى ، لأجده غير موجود بسريره .. حيرة وتوجس حتى وجدت الطبيب لأستفسر منه.. مات عم حسين فى ليلته الماضية نتيجة سكتة قلبية لاتفسير لها ، لم أصدق فى بادئ الأمر ولم يستطع عقلى أن يدركها!! مات ليتركنى بين حياته ومماته فى حيرة من أمر تلك الدنيا وهذا القدر الغريب.. تساؤلات كثيرة ظلت عالقة فى رأسى من وقتها ومازلت أبحث عن إجاباتها بلا رد أو فهم .. هل موته نتيجة لتلك الحادثة ؟ وهل وجد العلم والطب تفسير لكل مايحدث للإنسان بعد التعرض لتلك الحوادث ، وإن كانت مضاعافات لاتظهر فى أشعة فى أبحاث؟ أم موته نتيجة لهذا العلاج الخاطئ ؟ ولكنه قد نجا منه وتحسن !! موته بهذه الطريقة لايفسر شئ !! بل حتى لايفسر لى لماذا أمهله القدر هذه الأيام القليلة ثم مات.. أدركت أنى لاأفهم مايخطه القدر من شئ .. أم هى مجرد مصادفة بين حادث ووفاة ؟؟ لاأعلم ، حقا لاأعلم.

السبت، 17 سبتمبر 2011

فى الإبداع : الخلق وإعادة الخلق


لكل منا ثوابت ومتغيرات، وإن إختلفت من شخص لأخر ، غير أنى أظن أن للمبدع رؤية مختلفة دائما .. فثوابته متغيرة عن الإنسان العادى الذى يراها محدودة جدا ، لينتقل العالم بين خلجات قلبه وعقله إلى متغيرات كثيرة ، يجول فيها ويبتكر مابداخلها مع كل فكرة وكل إحساس يمر به.

يرى بعض المفكرين أن لبعض الكتاب دنياهم وخلقهم متحدين بهذا أقدار الحياة ، فينطقون الجماد ويتحركون مع الزمن أو المكان بلا فواصل أو معايير ثابتة ، بل يخلقون كائنات لاوجود لها فى دنيانا فتصير مثلنا تأكل وتعيش ، وكأنهم خلقوا خلقا جديدا ليس له وجود.

أجدنى مختلفا مع فرضهم هذا ، وأرى أنه مهما تخيل الكاتب فى إبداعه أن له خلقه الخاص الذى فاض فيه من روحه وكيانه ، إنما هو إعادة خلق لما هو كائن ولكن بأشكال مختلفة فرضها عليه واقعه من ماض وتراث تشبع به ، وإن إمتلك بعض الأحلام الخاصة والرؤى المختلفة لكنه لايخرج أبدا من عباءة ماهو موجود ومفروض عليه.

إسمحوا لى أن أعود لكلمات فيلسوف الكتاب توفيق الحكيم فى كتاباته فى هذا الموضوع لأسترشد به وهو يقول (كتاب فن الأدب) : إن الخلق فى الأدب والفن - وربما فى كل شئ- هو أن تنفخ روحا فى مادة موجودة . لاشئ يخرج إذن من لاشئ .. كل شئ يخرج من كل شئ .. ويكمل : إنما الإبتكار الأدبى والفنى : هو أن تتناول فكرة قد تكون مألوفة فتسكب فيها من روحك مايجعلها خلقا جديدا.. إن الفن ليس فى الهيكل ، إنه فى الثوب . والفن هو الثوب الجديد الذى يلبسه الفنان للهيكل القديم . إنه الكسوة المتجددة لكعبة لا تتغير.

نعود لموضوع الثوابت والمتغيرات ، فالحياة خلقها الله بشكل نعيشه جميعا .. بشر من ذكر وأنثى، تحكمنا الطبيعة بقوانينها فى الزمان والمكان وحولنا مخلوقات من حيوان ونبات وجماد فى أرض يابسة أو ماء تحت سماء الخالق .. كلها قد تكون ثوابت لشخص ما ، ولكن هناك من يفكر ويتأمل فيغير من ثوابتها فى تصويره لها جميعا واحدة تلو الأخرى ، بل يتمادى البعض لتصوير ألهة جديدة منها الطيب أو الشرير (لاأميل لهذا) ، ولكنى أراهم مهما غيروا من ثوابت الحياة مازالوا تحت مظلتها مقيدين.

السبت، 10 سبتمبر 2011

أين الحقيقة ؟ وكيف الحل؟؟

فوجئت بصديق من بلد مسلم بعيد ، يدرس فى الأزهر الشريف يرينى صورة يحملها دائما بين رفات كتابه لتذكره بماضى يحن له. . إنها صورة ميدان كبير فى بلادهم توضح فى مشهدين متتاليين الفارق بين الإستقرار والدمار.. وماأعجب ماقال لى ! إن من دمر بلاده وفعل هذا بها ليس الإستعمار ولكنهم أبناء وطنه والمفترض فيهم حب الوطن والدفاع عنه. لقد خرج الروس المستعمرين من بلدهم بعد مقاومة عنيفة لأبناء الوطن ليظهر بعد هذا الخلاف والجدال والعنف من فئات تريد فرض الوصاية على الشعب المسكين ، حتى وصلوا لما هم فيه الأن وعاد الإستعمار من جديد ولكن بشكل مختلف على يد الأمريكان .

يفزعنى ماأرى الأن ببلدى من إختلاط الأمور ببعضها وتعارض الأراء لحد التخوين والإتهام بالعمالة ، مع إنتشار العنف والبلطجة فى التعبير عن الرأى وعدم تفهم وجهة نظر الأخر بل والتهكم على الإنسان العادى البسيط وإتهامه الدائم بالسلبية وعدم المبالة. إختلطت الأمور علينا حتى صرت لاأعرف الفارق بين الثورى الحقيقى الذى يريد لبلده الرفعة والأمان والبلطجى المنتفع الذى يخرب ويدمر وطنه بلا مبرر أو عقلانية لمصلحة ما فى هواه ..

نعم أصبحت لاأرى فارق بينهم وأظنه لايظهر فارق حتى للمتأمل لهم : هل هو حماس زائد ورغبة فى الإصلاح أم هو رغبة دفينة فى التدمير لايفصح عنها لغيره.. هل يستطيع أحد أن يفرق بينهم ؟ هل تنكر على من يدمر أيضا وجهة نظره فى الخراب والتدمير ؟ إنه يبرر ويبرر مايفعل دائما ويتحجج بخيانة الطرف الأخر..هما فريقين أحدهما يتكون من ثورى حقيقى وبجواره بلطجى وفريق أخر من المدافعين عن بلدهم بوجهة نظرهم فى الرغبة فى الهدوء والإستقرار ودفع الحياة للأمام ومعهم ولا شك أيضا أفراد تدافع عن مصلحتهم الخاصة وتزهق بقوة أى رغبة فى الإصلاح.

إذن كيف نفرق بين أفراد كل فريق، وكيف نتعامل مع كل إتجاه على حده؟

فعندما يتحدث الثوار وينفعلون يظهر بينهم المخرب ليطل برأسه وينفخ فى الرماد فيشتعل ، وإذا نادى العقلاء بالحكمة والتروى ظهر بينهم أيضا المنتفعين فيكون خلافا وشجارا يصل للعنف وتدمير الحياة حولنا وزعزعة الإستقرار الذى ننشده.

أتذكر الأن بعض الدراسات النفسية التى أجريت على المسجونين السياسين فى وقت ما .. حيث أثبتت تلك الدراسات أن سلوك ونفسية المتطرفين من كل فريق تتشابه رغم إختلاف ميولهم ولغتهم المعادية لبعض.. فهم أقرب فى الشخصية و السلوك وفى إتخاذ نفس الطريق للتعبير عن رأيهم بكل شدة وجلد ، فلقد أثبتت تلك الدراسات أن الشيوعين المتشددين يمتلكوا نفس شخصية وميول المتطرفين المسلمين رغم إنكارهم لبعض تماما، بل وجد أنهم أقرب لتكوين صداقات داخل سجونهم مع بعضهم البعض رغم شدة هذا الخلاف العقائدى.

ولكن هل لهذه الشخصية المريضة المتطرفة فى لغة الحوار أن تحكم هذا المجتمع وتصل به للفشل والدمار، فهولاء دائما يملكون الصوت العالى والنبرة القاسية الحادة ويكون لهم الغلبة فى الصفوف الأولى فى كل مكان.

أخاف من يوم يحدث فيه إنفجار فى مكان ما ؟ ونسأل بعضنا البعض من الفاعل ؟ ولا نعرف الإجابة .. هذا مايريدوه بنا وينتظروه .. تذكر صديقى أنك كما تصمم بشدة على كلمتك وتتمسك بها مهما حدث ، يفعل الطرف الأخر نفس الشئ فى الوقت نفسه وبنفس لغة الشدة وعدم اللين.